البشارة ٣٧ من ٤١

البشارة السابعة والثلاثون

إنجيل يوحنا ١٦:٥ – ١٤

وجاء بعدها في يوحنا الإصحاح 16 (طبعة الفاندايك):

5 وأما الآن فأنا ماض إلى الذي أرسلني، وليس أحد منكم يسألني: أين تمضي؟

6 لكن لأني قلت لكم هذا قد ملأ الحزن قلوبكم.

7 لكني أقول لكم الحق: إنه خير لكم أن أنطلق، لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم الـمُعَزِّي، ولكن إن ذهبت أُرسلُه إليكم.

8 ومتى جاء ذاك يُبَكِّت العالم على خطية وعلى بِر وعلى دينونة:

9 أما على خطية فلأنهم لا يؤمنون بي،

10 وأما على بِرٍّ فلأني ذاهب إلى أبي ولا ترونني أيضا،

11 وأما على دينونة فلأن رئيس هذا العالم قد دِين.

12 إن لي أمورا كثيرة أيضا لأقول لكم، ولكن لا تستطيعوا أن تحتملوا الآن.

13 وأما متى جاء ذاك، روح الحق، فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به، ويخبركم بأمور آتية.

14 ذاك يمجدني، لأنه يأخذ مما لي ويخبركم.

15 كل ما للآب هو لي. لهذا قلت: إنه يأخذ مما لي ويخبركم.

16 بعد قليل لا تبصرونني، ثم بعد قليل أيضا ترونني، لأني ذاهب إلى الآب.

إنجيل يوحنا ١٦:٥ – ١٤ — كما نقلها المؤلف

استماع — إنجيل يوحنا ١٦:٥ – ١٤

0:00 / 0:00

اضغط تشغيل لسماع تلاوة هذه البشارة.

الوحيالسلامالشريعة والعدلموسىالمسيح عيسى

هذه بشارة واضحة الدلالة كوضوح الشمس على نبوة محمد (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) بعد المسيح، لِمَن شرح الله صدره للحق، وتَقَبَّل الحقيقة، وبيان ذلك الوضوح من وجوه:

- في عبارة رقم 7: قوله (... لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم الـمُعَزِّي، ولكن إن ذهبت أُرسلُهُ إليكم)؛ يطرح تساؤلا:

من الذي جاء بعد عيسى (عَلَيْهِ السَّلَامُ) غير محمد (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم)؟!

وبناء عليه فمن سيكون الـمُعَزِّي إن لم يكن هو محمدا (صلى الله عليه وسلم)؟

وأما قوله: (ولكن إن ذهبت أُرسلُهُ إليكم)؛ فقد تقدم أن المقصود هو أن المسيح كان سببا في إرسال محمد لأنه كان يدعو الله بأن يرسله، فاستجاب الله دعائه وأرسله، وليس هو الذي أرسل محمدا من عند نفسه، لأن إرسال الأنبياء من خصائص الله سبحانه وتعالى.

- وعبارة رقم 8 تطرح سؤالا: من الذي وبّخ العالم على الخطايا بعد المسيح غير محمد (صَلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم)؟

فإنه كشف زيف أفكار العالم، فنهى عن الاعتقادات الخاطئة، كعبادة غير الله، واعتقاد أن الملائكة بنات الله، وأن المسيح ابن الله، وأن عزير ابن الله، ونهى عن أكل مال اليتيم، وشرب الخمر، والقتل والتكبر على الناس، ونهى عن العنصرية، واحتقار العبيد، وافتخار القبائل بعضها على بعض، وغير ذلك من الضلالات والشركيات.

وعلى العكس من ذلك؛ فقد أمر بالتوحيد وإفراد الله بالعبادة، وهذا هو دين جميع الأنبياء قبل أن يصيبها التحريف والتغيير والتبديل، وأمر بالاستغفار من الذنوب، والتوبة إلى الله، وتطهير النفس من الذنوب التي تتعلق بحق الله أو بحق العباد.

- وفي قوله في عبارة رقم 13 (لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به) يأتي تساؤل: من الذي لا يتكلم من تلقاء نفسه بل بما يوحَى إليه غير محمد (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ)؟

لقد قال الله تعالى عنه: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَن الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾؟!

ومما يجدر التنبيه إليه أن محمدا (صلى الله عليه وسلم) لم يتلق شيئا عمن قبله من الأنبياء كحال من قبله، كالمسيح، فإن المسيح كان عنده علم بما جاء به موسى في التوراة، ثم أنزل الله عليه وحي خاص فوق ما عنده، وهو الإنجيل، قال تعالى عن المسيح: ﴿ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل﴾، أما محمد فعلى العكس من ذلك، قال الله عنه: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان﴾، فالنبي محمد (صلى الله عليه وسلم) لم يكن عنده علمٌ عمَّن قبله، فعلمه الله أفضل العلوم وهو القرآن، وهذا من خصائصه، عليه الصلاة والسلام.

- وقوله في عبارة (13): (يرشدكم إلى جميع الحق)؛ هذا يدعونا للتساؤل: من الذي تضمنت شريعته كل الحق غير شريعة محمد (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم) ؟!

فقد تضمنت شريعته كل العقائد الصحيحة والعبادات والمعاملات والسلوكيات، ونهت عن جميع العقائد الخاطئة والعبادات والمعاملات والسلوكيات.

وصدق الله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتاب مِن شَيْء﴾.

- وعبارة رقم 13 تطرح تساؤلا أيضا عند قوله: (ويخبركم بأمور آتية) وهو: من الذي أخبر بالغيوب القادمة (أمور آتية) ثم وقعت كما أخبر غير محمد (صلى الله عليه وسلم)؟

فقد أخبر بأمور من الماضي والحاضر والمستقبل، أطْلعه الله عليها عن طريق الوحي، فعرفها، وبلغها للناس، وهذا من دلائل نبوته وصدق رسالته، قال تعالى: ﴿عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا * إلا من ارتضى من رسول﴾، وقد تحقق الكثير منها كما أخبر، مثل الفتوحات، وفتن آخر الزمان، أليس هذا دليلا على أن الله أخبره بها عن طريق الوحي؟

كما أنه أخبر بكل ما يأتي من علامات قرب اليوم الآخر، وما يحدث يوم القيامة، كالجنة ونعيمها، والنار وأنواع عذابها، وأمور كثيرة لا توجد في التوراة ولا في الإنجيل إلا على وجه الإجمال، وهذا كله مصداق لقول المسيح: (ويخبركم بأمور آتية).

- وعبارة رقم 14 تطرح تساؤلا عند قوله: (ذاك يمجدني) وهو: من الذي مجد المسيح وأمه مريم العذراء غير محمد (صلى الله عليه وسلم)؟

فإن أخبار المسيح وأمه تتلى في الصلوات كل يوم، في مشارق الأرض ومغاربها، مما يبين مدى ارتباط المسلم بالمسيح وأمه، ليس فقط كشخصيات تاريخية، بل كرموز إيمانية عظيمة، يقتدي بهم المسلمون والمسلمات أنفسهم.

- وعبارة رقم 15 تطرح تساؤلا أخيرا عند قوله: (إنه يأخذ مما لي ويخبركم) وهو: مَن الذي أخبر بما قاله المسيح لقومه غير محمد (صلى الله عليه وسلم)؟

فأخبار المسيح الشاملة لم تدون في كتب المسيحيين كما دُونت في كتب الحديث النبوي عن رسول الله محمد (صلى الله عليه وسلم)، والكلام في هذا يطول جدا، كأخبار حمله وولادته ومعجزاته، ودعوة قومه إلى عبادة الله وحده، إلى خبر رفعه إلى السماء وحمايته من كيد اليهود الذين أرادوا قتله.

كما تتضمن الأحاديث عن محمد (صلى الله عليه وسلم) خبر نزوله في آخر الزمان حكما عدلا، فيكسر الصليب الذي يعبده المسيحيون، ويقتل الخنزير، ويبقى في الأرض أربعين سنة، هي خير أيام الدنيا، ثم يموت ويدفنه المسلمون، كما مات غيره من الأنبياء.

وكذلك يتضمن القرآن أخبار أمه مريم، وأخبار أسرتها، وكفالتها مِن قِبَل النبي زكريا، عليه السلام، وغير ذلك من الأخبار.

فالحاصل أن كلام الرسولين الكريمين متطابق في بعضهما البعض، فالمسيح بشر بمحمد، ومحمد صدَّق بالمسيح، أي أخبر بأخبار المسيح الصادقة، وأكّد أن ما فعله وقاله هو الصدق حقا.

- فالحاصل أن هذه البشارة تشير إلى أن رحيل المسيح يعتبر بشارة بنبي يأتي بعده، وأن وقته سيكون بعد انطلاقه إلى السماء، وهذا لا ينطبق إلا على النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) الذي جاء بعد المسيح، أرسله الله إلى الناس كافة، وعزَّى أتباع المسيح ببيان ما خفي من دينه على مر الزمن، لأن معنى الـمُـعَـزِّي أي المرشد والمعلم.

فهذه الآيات فيها دلالات واضحة على نبوة محمد (صلى الله عليه وسلم).

وللفائدة؛ ففي قوله في آية (10): (وأما على بِرٍّ فلأني ذاهب إلى أبي ولا ترونني أيضا) دليل على أن المسيح رفعه الله، ولم يصلب ولم يقتل.

بشارات متصلة

فصول تشترك مع هذه البشارة في المواضع أو الأشخاص أو المعاني.