البشارة ١٢ من ٤١
البشارة الثانية عشرة
سفر إشعياء ٤٢:١ – ٢
جاء في سفر إشعياء (1:42-2) (طبعة الفاندايك) قول الرب:
1. هو ذا عبدي الذي أعضُده. مختاري الذي سُرَّت به نفسي. وضعتُ روحي عليه
فيُخرِج الحق للأمم. لا يصيح ولا يَرفع ولا يُسمع في الشارع صوته ...
2. إلى الأمان يـُخرِج الحق. لا يَكِل ولا ينكسر حتى يضع الحق في الأرض، وتنتظر الجزائر شريعته.
سفر إشعياء ٤٢:١ – ٢ — كما نقلها المؤلف
استماع — سفر إشعياء ٤٢:١ – ٢
0:00 / 0:00
اضغط تشغيل لسماع تلاوة هذه البشارة.
تشير هذه الآية إلى شخصية نبوية اختارها الله تعالى واصطفاها، ولو جئنا
لنطبقها على النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) لوجدنا التالي:
قوله في أول البشارة: (عبدي)؛ مِن اللطيف ذكره في هذا المقام أن الله لم يصف نبيا بأنه عبدٌ له إلا النبي محمدا (صلى الله عليه وسلم).
ثم إن الله وصف النبي محمدا (صلى الله عليه وسلم) بالعبودية له في كثير من آيات القرآن الكريم، كقوله تعالى: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين﴾. (سورة البقرة: 23).
وقوله: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى
الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير﴾ (سورة الإسراء: 1).
كما وصف النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) نفسه بأنه عبد لله فقال: (إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسولُه).
وأما قوله: (هو ذا عبدي الذي أعضده)؛ فمعنى أعضده أي أؤيده وأنصره، وقد
حصل هذا بالفعل، فإن التاريخ يثبت أن الله أيده في حياته لتبليغ رسالة الإسلام، وكذلك نصره على أعدائه، فانتشر دينه شرقا وغربا في مدة قياسية، على يديه ويدي الخلفاء مِن بعده.
وأما قوله: (مُـختاري الذي سُرَّت به نفسي)؛ فهذا فيه إشارة إلى أن الله اختار محمدا من ذرية إسماعيل بن إبراهيم (عليهما السلام)، فقد قال النبي محمد صلى الله عليه وسلم مخبرا عن نفسه:(إن الله اصطفى كِنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من
بني هاشم)، والاصطفاء هو الاختيار.
وأما قوله: (وسُرَّت به نفسي) أي أحبه كثيرًا، ومن المعلوم أن الله يحب جميع أنبياءه، ولكنه يحب أولي العزم من الرسل أكثر من غيرهم، وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد، ثم إن الله يحب إبراهيم ومحمد أكثر من غيرهما، ويحب محمد أكثر من إبراهيم، وهو النبي الخاتم الذي أرسله الله إلى الناس كافة، وختم به رسالاته، عليهم جميعا الصلاة والسلام.
عبارة (وضعتُ روحي عليه) تشير إلى حلول الروح القُدُسِ وهو جبريل أعظم
الملائكة على النبي محمد، ليلقنه الوحي، وهو القرآن الكريم، قال الله
سبحانه وتعالى: ﴿نزل به الروح الأمين * على قلبك لتكون من المنذرين * بلسان عربي مبين﴾. (سورة الشعراء: 193 – 195).
وقال تعالى: ﴿قل نزَّله روح القُدُس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا﴾. (سورة
النحل 102).
كما تعني هذه العبارة (وضعت روحي عليه) تأييده بالقوة والقدرة على تحقيق مشيئته لنشر دينه، وقد حصل هذا بالفعل، لاسيما في الوقت الحاضر، الذي صار دين الإسلام ينتشر بسرعة في القارات السبع بعد انتشار وسائل الاتصال.
وأما قوله: (فيُخرِج الحق للأمم) تدل هذه العبارة على أن هذا النبي الكريم
سيقوم بنشر الحق والعدل للأمم وهم جميع البشر، وليست رسالته خاصة إلى قوم
معينين، وهذا لا ينطبق إلا على النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، لأنه هو
النبي الوحيد الذي أرسله الله إلى الناس كافة، العرب والعجم، والأبيض
والأسود، بني إسرائيل وغير بني إسرائيل، كما قال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا
كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾. (سورة سبأ: 28).
وهذا بخلاف المسيح وموسى وزكريا ويحيى ويعقوب وإسحق؛ فقد أرسلهم الله إلى بني إسرائيل خاصة، ولم يرسلهم إلى جميع أمم الأرض، فَفِي «إِنْجِيلِ مَتَّى» (15/24) أَنَّ يَسُوع قَالَ: «لَمْ أُرْسَلْ إِلَّا إِلَىٰ خِرافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّة».
وفي قوله: (فيُخرِج الحق للأمم) إشارة إلى أن شريعة هذا النبي حق، وهذا هو الواقع، فإن الشريعة التي جاء بها النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) لها ستين خصيصة تميزت بها عن غيرها من الشرائع التي جاء بها الأنبياء السابقون، ولهذا وصف المفكرون المنصفون الغربيون النبي محمدا بأنه عادل قائم بالقسط.
وأما قوله: (لا يصيح ولا يَرفع ولا يُسمع في الشارع صوته) فهذه أوصاف النبي (صلى الله عليه وسلم)، فقد سُئلت عائشة زوج النبي (صلى الله عليه وسلم) عن خُلُقِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم فقالت: لم يكن فاحشًا ولا مُتَفَحِّشًا ولا صَخَّابًا في الأسواقِ، ولا يَجْزِي بالسيئةِ السيئةَ، ولكن يَعْفُو ويَصْفَح.
وأما عبارة (إلى الأمان يُخرج الحق)، فالآية تتحدث عن ظهور الحق وانتصاره، وهو الإسلام، وأن الله سيقيم شريعته في الأرض كلها، فيحصل الأمان، وقد حصل بالفعل، ونحن نرى أن معدل الجريمة في البلاد الإسلامية هي أقل من جميع البلاد.
وقوله في وصف ذاك النبي الـمُبَشَّر به: (لا يَكِل ولا ينكسر حتى يضع الحق في الأرض) هذه العبارة تدل على ثبات النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) على الحق وقوته في ذلك، وقد تحقق فعلا، فما مات إلا وقد انتشر الإسلام في الجزيرة العربية، ثم نشره الخلفاء من بعده في أنحاء الأرض في مدة قياسية، ثم هو لم يتراجع عن الدعوة إلى دينه، وخاض حروبا عدة، فلم يضعف بالرغم من التحديات والصعوبات التي واجهته طوال فترة نبوته.
وقوله: (وتنتظر الجزائر شريعته( فكلمة الجزائر هنا تتضمن الجزيرة العربية، وتتضمن الجزيرة التي بين الفرات ودجلة، وجزيرة الأندلس، وجزيرة قبرص، وغيرها من الجُزُر.
وللفائدة فنحن نرى الآن من خلال إحصائيات منظمة اليونسكو، ومقرها أمريكا؛ أن أكثر الأديان انتشارا هو الإسلام، لاسيما بعد انتشار القنوات الفضائية ووسائل التواصل الاجتماعي، حتى دخل الإسلام في السجون والكنائس والمعابد والبقاع الممنوع فيها نشر الإسلام، وفي كل مكان يمكن أن تصل إليه تلك الوسائل.
وقد جاء التأكيد على أن النبي المشار إليه في الآية هو النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) في الآية التي بعد الآية السابقة بآيتين، حيث جاء:
5 هكذا يقول الله الرب، خالق السموات وناشرها، باسطُ الأرضِ ونتائجِها، معطي الشعب عليها نسمةً والساكنين فيها روحا.
التعليق:
الله سبحانه وتعالى هو خالق السماوات، وباسط الأرض، خلق فيها ما يخرج منها من نبات وكائنات، وهو واهب الحياة (النسمة) والروح لكل سكان الأرض، والمقصود من هذا هو إبراز قدرته على الوفاء بوعوده، خاصة إرسال عبده النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) لإخراج الحق، كما يشير إليه قوله في بداية الجملة: «هكذا يقول الله الرب»، وهذه بداية للكلام توحي بالسلطان الإلـٰهي المباشر.
فائدة: جاء التأكيد أيضا على أن النبي المشار إليه في الآية هو النبي محمد في الآية التي بعدها، حيث جاء:
6. أنا الرب قد دعوتك بالبر، فأُمسكُ بيدك، وأحفظُك، وأجعلُك عهدا للشعب، ونورا للأمم.
7. لتفتح عيون العمي، لتُخرِج من الحبس المأسورين، مِن بيت السجن الجالسين
في الظلمة.
فأما قوله: (أنا الرب قد دعوتك بالبر، فأُمسكُ بيدك) فهذا فيه إشارة إلى أن الله دعا نبيه محمدًا إلى أعمال البر، والبر هو الخير، فما من خير إلا ودله عليه، ولا شر إلا ونهاه عنه، ثم هو قام ودعا الناس إلى البر الذي علمه إياه الله تعالى.
ثم قال (فأُمسِك بيدك وأحفظُك) فهذا هو الواقع، فقد أمسك الله بيده، أي نصره وأعانه وأيده، ثم حفظه من كيد أعدائه ومنعه منهم طيلة حياته، ولم يتوفّاه الله حتى بلَّغ الرسالة، قال الله تعالى في هذا الشأن: ﴿يا أيها الرسول بلِّغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس﴾. (سورة المائدة: 67).
وأما قوله: (وأجعلك عهدا للشعب) فتعني أن النبي محمدًا (صلى الله عليه وسلم) يَعهد اليه الله أن يخرج الناس (وهم الشعب) من الظلمات إلى النور، وسيكون هذا هو دوره وواجبه.
ثم إن وصفه للرسالة بأنها عهد؛ تفيد أن العهد الذي عهِده الله إليه يعتبر وعدًا والتزامًا يجب عليه الوفاء به، لأن الله رحيم بعباده، لم يترك الناس في ضلال، بل أرسل إليهم رسولاً، ليخرجهم من الظلمات إلى النور، فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار.
وقوله: (وأجعلك ... نورا للأمم)؛ فهذه منطبقة أيضا على النبي محمدٍ
(صلى الله عليه وسلم) لأنه أخرج الناس من عبادة الأوثان إلى عبادة الله
سبحانه وتعالى، وهذا هو النور الذي ليس بعده نور، قال تعالى: ﴿هو الذي
يُنزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور وإن الله بكم
لرءوف رحيم﴾. (سورة الحديد: 9).
وقال الله تعالى أيضا: ﴿يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا *
وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا﴾. (سورة الأحزاب: 45 – 46).
فجميع هذه البشارات والأوصاف مجتمعة لا تنطبق إلا على نبي واحد، وهو النبي
محمد (صلى الله عليه وسلم)، وهو المتمم لرسالة من قبله من الأنبياء،
عيسى وموسى وإبراهيم وغيرهم، صلى الله عليهم وسلم.
وأما قوله: (لتخرج من الحبس المأسورين الجالسين في الظلمة) هذه العبارة تعني أن الله سيحرر الأسرى والمحجوبين عن النور والهداية عن طريق هذا النبي، وأنه هو الذي سيوصلهم الى طريق الهداية، وأنه من خلاله سيتم إخراج الكثير من الناس الذين يعيشون في ظلام الشرك وعبادة الأوثان إلى نور عبادة الله وحده، بسبب اتباع شريعة الإسلام التي يأتي بها، وقد حصل هذا فعلا منذ بعثته إلى يومنا هذا، ففي كل يوم يدخل الناس في دين محمد (الإسلام).
وعبارة (المأسورين) تعني الناس الذين يعيشون في حالة الأسر عن الحق، بسبب اتباع الجهل والشرك والانحراف عن الطريق الصحيح، والتقليد للمجتمع الذي عاشوا فيه ولم تحصل لهم فرصة القراءة عن دين الإسلام أو قراءة القرآن.
وقوله: (الجالسين في الظلمة)؛ المقصود بالظلمة هي ظلمة الجهل والبعد عن نور الحق.
فائدة:
جاء بعد هذه الآية قوله:
8 أنا الرب هذا اسمي، ومجدي لا أعطيه لآخر، ولا تسبيحي للمنحوتات.
التعليق:
قوله: (ولا تسبيحي للمنحوتات)؛ رفض قاطع للوثنية وعبادة الأصنام والتماثيل التي ينحتها البشر ثم يعبدونها، وهذا مطابق للرسالة التي جاء بها النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، فقد كان ينهي قومه من قبيلة قريش وغيرها عن عبادة الأصنام، ولما فتح مكة هدم 360 صنما كانت محيطة بالكعبة المشرفة.
فالآية منطبقة على النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) من جهة أن دعوته كانت منصبة على هدم الأصنام ودعوة الناس إلى عبادة الله وحده.
ثم قال بعدها مشيرا إلى عبادة الحج، التي هي الركن الخامس من أركان الإسلام:
10. غنوا للرب أغنية جديدة، تسبيحَه مِن أقصى الأرض. أيها المنحدرون في البحر ومِلؤه والجزائر وسكانها ...
التعليق:
وهذه الأغنية المقصود بها دعاء "لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك"، والتي يقولها الحجاج أثناء حجهم، وهم آتون من أقصى الأرض لأداء هذه العبادة، برا وبحرا.
ثم قال بعدها مختتما البشارة بذكر قِيدار، وهم سكان مكة، وكذلك فرح سكان سالع -وهو جبل في المدينة معروف إلى اليوم- ، وأنهم كلهم سيُنشدون فرحًا بالنبي القادم:
11. لترفع البرية ومدنها صوتها، الديار التي سكنها قيدار. لتترنم سكان سالع. من رؤوس الجبال ليهتفوا.
12. ليعطوا الرب مجدا ويخبروا بتسبيحه في الجزائر.
التعليق:
هذه البشارة تفيد فرح الناس في مكة والمدينة بقدوم النبي (صلى الله عليه وسلم)، وتسبيحهم وعبادتهم لله، وقراءة القرآن كثيرا، والتي هي في الحقيقة ترانيم، وهذا من تمجيد الله وتعظيمه كما ورد في البشارة، وقد حصل هذا حقيقة كما روت كتب التاريخ، وهو مستمر إلى اليوم.
أما كلمة الجزائر هنا فقد تقدم الكلام عليها.
فهذه عدة بشائر بنبوة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم).
بشارات متصلة
فصول تشترك مع هذه البشارة في المواضع أو الأشخاص أو المعاني.