البشارة ٦ من ٤١
البشارة السادسة
سفر المزامير ٤٥:١ – ١٧
جاء في سفر المزامير (45 / 1-17) (طبعة الفاندايك) أن النبي داود قال هذه البشارة:
1. فاض قلبي بكلام صالح. متكلم أنا بإنشائي للملك، لساني قلَم كاتب ماهر.
2. أنت أبرَعُ جمالا من بني البشر. انسكبت النعمة على شفتيك، لذلك باركك الله إلى الأبد.
3. تقلد سيفك على فخذك أيها الجبار، جلالك وبهاءك.
4. وبجلالك اقتحم. اركب. من أجل الحق والدَّعَة والبر ...
5. نَبْلُك المسنونة في قلب أعداء الملك. شعوبٌ تحتك يسقطون.
6. كرسيك يا الله إلى دهر الدهور. قضيبُ استقامةٍ قضيبُ ملكك.
7. أحببت البر وأبغضت الإثم، من أجل ذلك مسحك الله إلـٰهك بدُهنِ الابتهاج أكثر من رفقائك.
......
14. بملابسَ مطرزة تحضر إلى الملك. في إثرها عذارى صاحباتُها. مقدماتٌ إليك.
15. يحضرن بفرح وابتهاج. يدخلن إلى قصر الملك.
16. عوضا عن آبائك يكون بنوك، تقيمُهم رؤساء في كل الأرض.
17. أذكر اسمك في كل دَورٍ فَدَور. من أجل ذلك تحمدك الشعوب إلى الدهر والأبد.
سفر المزامير ٤٥:١ – ١٧ — كما نقلها المؤلف
استماع — سفر المزامير ٤٥:١ – ١٧
0:00 / 0:00
اضغط تشغيل لسماع تلاوة هذه البشارة.
هذه الصفات تعود إلى النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، وهذا هو الإثبات:
الأول: أن في النص أوصاف للنبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، وهي وكونه صاحب حُسن لا يوجد في البشر وهو قوله: (أنت أبرَعُ جمالا من بني البشر).
وهذا الحُسن مذكور في الكتب التي دوَّنت شمائله وصفاته.
الثاني: قوله: (انسكبت النعمة على شفتيك)، تشير إلى الفصاحة والإعجاز الذي يتصف به القرآن.
الثالث: قال في الفقرة (2): (لذلك باركك الله إلى الأبد)، ومعناه أن رسالته خالدة إلى الأبد غير مؤقتة، وهي كذلك، ومحفوظة كما هي لم تتغير.
وهو معنى قوله بعدها في الفقرة (6): (كرسيك يا الله إلى دهر الدهور).
ثم قال بعدها: 3: تقلد سيفك على فخذك أيها الجبار، جلالك وبهاءك.
4: وبجلالك اقتحم. اركب. من أجل الحق والدَّعَة والبر، فتُريك يمينك مخاوف.
5: نَبْلُك المسنونة في قلب أعداء الملك. شعوبٌ تحتك يسقطون.
التعليق: النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) صاحب سيف قهر به أعداءه الذين وقفوا حَجَر عثرة أمام جهوده لتبليغ رسالة الإسلام، وإقامة الحق والعدل، بدءًا بالقبائل العربية، وفي عهد عمر بن الخطاب تمت هزيمة الرومان والفرس، وهي المشار إليها في قوله: (شعوبٌ تحتك يسقطون).
وهذا الوصف المذكور في البشارة لا ينطبق إلا على النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، فلم يتقلد أحد السيف بعد داود إلا محمد، صلى الله عليه وسلم، فالمسيح عليه السلام لم يحمل سيفا ولم يُسقط أعداءه، ولا صوَّب نبله في قلوب أعدائه لنشر دعوة الحق، بل جاهد لنشر الدعوة بلسانه فقط، فلما أرادوا قتله رفعه الله إلى السماء معززًا مكرمًا، كما أنه لم يكن ملكاً في قومه أصلا.
وقوله: (تقلد سيفك على فخذك أيها الجبار)؛ فيه تنبيه إلى قوتِه وقهرِه لأعدائه.
وقوله: (وبجلالك اقتحم) فيه إشارة إلى هيبته في قلوب أعدائه، ولذا خاطبه بصفة الجبار، لأنه كان ذا قوة وهيبة، ولم يكن أمام أعدائه إلا قبول الإسلام أو القتال أو دفع الجزية، مقابل استمتاعهم بالبقاء في الحكم الإسلامي، معصومة دماؤهم وأموالهم وأعراضهم.
وكما تقدم، (فهو الذي بُعِث بشريعة قوية، ودقَّ جميع ملوك الأرض وأممها حتى امتلأت الأرض من أمته، وسلطانه دائم إلى آخر الدهر، لا يقدر أحد أن يزيله.
كما أزال سلطان اليهود من الأرض، وأزال سلطان النصارى عن خِيار الأرض ووسطها، فصار سلطانهم في بعض أطرافها، وأزال سلطان المجوس وعُباد الأصنام وسلطان الصابئين).
وقوله في الفقرة 6: قضيبُ استقامةٍ قضيبُ ملكك، يعني أن ملكه (الـمُعبر عنه بالقضيب) قائم على الاستقامة والعدل، وليس على الظلم والبغي، والأمر كذلك كما في كتب السير والتواريخ.
7. أحببتَ البر وأبغضت الإثم، من أجل ذلك مسحك الله إلـٰهك بدُهنِ الابتهاج أكثر من رفقائك.
فهذه العبارة تعني أن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) محب للخير مبغض للإثم، كحال جميع الأنبياء الذين جاءوا قبله، لكن الله فضله عليهم بعموم رسالته لكل الناس إلى يوم القيامة كما في قوله: (مسحك الله إلـٰهك بدهن الابتهاج أكثر من رفقائك)، ورفقائه هم إخوته الأنبياء الذين سبقوه.
9. بناتُ ملوكٍ بَين حظياتك. جُعلت الـمَلِكة عن يمينك بذهبٍ أوفير.
تفسير هذه العبارة أن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) تزوج صفية بنت حيي بن أخطب اليهودي، وهو سيد قومه.
كما أُهديت إليه مارية بنت شمعون القبطية، أهداها إليه المقوقس، بطريرك كنيسة الإسكندرية، الذي عينه هرقل -إمبراطور بيزنطة- واليا على مصر.
وكانت شهربانو بنت يزدجر (مَلِك فارس) زوجة ~~ابنه~~ الحسين رضي الله عنه، ابن ابنته فاطمة رضي الله عنها.
كما أن الأمم تدين له بالخضوع، وتدخل في دينه بفرح وابتهاج، وهو معنى قوله: (بملابس مطرزة تحضر إلى الـمَلِك. في إثرها عذارى صاحباتُها. مقدماتٌ إليك. يحضرن بفرح وابتهاج).
ثم قال: (يدخلن إلى قصر الـمَلِك)، أي يدخل الناس في دينه، ويُستبدل قومه بالعز بعد الذل الذي عاشوه قبل مبعثه.
ثم قال: (عوضاً عن آبائك يكون بنوك)، فيُبدِّل الله سلطان آباءه الذين كانوا أسياد مكة، بملك بنوه وهو أتباعه، الذين صاروا سلاطين الأرض، كما سيأتي.
ثم قال: (تقيمهم رؤساء في كل الأرض)، أي يكونون سادة الدنيا، وهذا هو الواقع، فقد ساد أصحاب النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) الدول، وكذلك مَن بعدهم من الخلفاء، حتى امتدت الدولة الإسلامية من الصين شرقا إلى الأندلس غربا، ومن تركيا شمالا إلى الهند جنوبا، وما تبقى إلا مملكة صغيرة يحكمها الرومان وهي جزء من أوربا.
وقوله: (أذكر اسمك في كل دَور فدَور) أي جيلا بعد جيل.
ثم قال: (من أجل ذلك تحمدك الشعوب إلى الدهر والأبد)، وهذا هو الواقع، فهو أحمد ومحمد ومحمود، كما أنه قد كُتِب له الذكر الحميد سائر الدهر، والكتب التي أُلِّـفت في سيرته متطابقة في الثناء عليه، بالإضافة إلى ما ألفه غير المسلمين من المفكرين والمستشرقين والفلاسفة والمؤرخين المنصفين.
ثم إن المسلمين يذكرونه على الدوام كلما ذكروا الله، في جميع الأوقات، وفي جميع الأمكنة، في الجو والبحر والبر، لأنهم يقولون باستمرار (أشهد أن لا إلـٰه إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله) في النداء للصلاة، وفي الصلاة نفسها، وغيرها من المواطن.
بشارات متصلة
فصول تشترك مع هذه البشارة في المواضع أو الأشخاص أو المعاني.