البشارة ٤ من ٤١
البشارة الرابعة
سفر المزامير ٧٢:٢ – ١٩
جاء في المزمور (72: 2-19)، (طبعة الفاندايك) قول النبي سليمان:
«يدين شعبك بالعدل، ومساكينك بالحق. تحمل الجبال سلاما للشعب، والآكام بالبِـر. يَقضي لِمساكين الشعب. يُـخلِّص بني البائسين، ويسحق الظالم. يخشونك ما دامت الشمس وقُدام القمر إلى دَور فَدَور. ينزل مثل المطر على الـجُزاز، ومثل الغيوث الذارفة على الأرض. يُشرق في أيامه الصِّدِّيق وكثرة السلام إلى أن يضمحل القمر. ويملك من البحر إلى البحر، ومن النهر إلى أقاصي الأرض.
أمامه تجثو أهل البرية، وأعداؤه يلحسون التراب. ملوك ترشيش والجزائر يُرسلون تقدِمة. ملوك شَبا وسَبأ يُقَدمون هدية. ويسجد له كل الملوك. كل الأمم تتعبد له. لأنه يُنَجي الفقير المستغيث، والمسكين إذ لا مُعين له. يُشفق على المسكين والبائس، ويُخلص أنفس الفقراء مِن الظلم والخطف، يَفدي أنفسهم. ويُكرم دمُهم في عينيه. ويعيش ويعطيه من ذهب شَبا. ويصلي لأجله دائما. اليوم كله يباركه. تكون حفنة بُرٍّ في الأرض في رؤوس الجبال. تتمايل مثل لبنان ثمرتها، ويُزهرون من المدينة مثل عشب الأرض. يكون اسمه إلى الدهر. قُدَّام الشمس يمتد اسمه، ويتباركون به. كل أمم الأرض يُطوِّبونه.
مبارك الرب الله إلـٰه إسرائيل، الصانع العجائب وحده. ومبارك اسم مجده إلى الدهر، ولتمتلئ الأرض كلها من مجده. آمين ثم آمين».
سفر المزامير ٧٢:٢ – ١٩ — كما نقلها المؤلف
استماع — سفر المزامير ٧٢:٢ – ١٩
0:00 / 0:00
اضغط تشغيل لسماع تلاوة هذه البشارة.
هذه النبوءة تحمل بشارة بالنبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، لأنها تشير إلى نبي يحكم بالعدل والقسط، ويُنصف المساكين، ويخلص البائسين ويردع الظالمين، وهذه تحققت في عهد النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) وعهد الخلفاء الراشدين من بعده، ولا زالت الدول التي تحكم بالإسلام هي أقل الدول في معدلات الجريمة.
وقوله: (تحمل الجبال سلاما للشعب، والآكام بالبِـر) أي أن الأرض ينتشر فيها السلام والطمأنينة، يستوي في ذلك الجبال والآكام، والآكام جمع أكمة وهي التل.
وقوله: (يخشونك ما دامت الشمس)، أي أن أعداءه يخشون مواجهته، ويخشون انتشار دينه، لأن الإسلام إذا حل ببلد زالت الأنظمة الأخرى البشرية.
وقوله: (قُدام القمر إلى دَور فَدَور)، فتعني الإستمرارية الأبدية لهذا الدين، وأنه لا يضمحل ما دام القمر موجودا، أي ما دامت الأيام والسنون، وهو تعبير يدل على الدوام و الثبات.
وقوله: (إلى دور فدور)، فتعني من جيل إلى جيل.
وفي هذه البشارة تشبيه لبعثة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) بنزول المطر على الـجُزاز، والجُزاز هو ما جزه المزارع وقطعه من النبات، فهو مبتور من الأرض، محتاج للماء لينمو، فنزول المطر عليه يعتبر من الإغاثة للنبات نفسه قبل أن يصفر ويتلف.
وقوله: (يُشرق في أيامه الصِّدِّيق وكثرة السلام)؛ العبارة هذه تعني أنه سيتميز في أيام هذا النبي الصِّدق ويكثر السلام، والسلام هنا يعني أمرين وهما: قول (السلام عليكم ورحمة الله وبركاته)، وهي التحية التي حث النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) على إلقائها كلما لقي المسلم أخيه المسلم، وتعني أيضا السلام الذي هو ثمرة الأمن في الأوطان.
وقوله: (إلى أن يضمحل القمر)؛ فيها إشارة إلى العصر الجديد الذي ستدخل فيه البشرية كلها، من السلام والطمأنينة بسبب زوال الشرك ومعرفة التوحيد، وكثرة المعتنقين والداخلين إلى الإسلام، ثم المحبة بينهم لأنهم صاروا مجتمعا واحدا وإن تباعدت الأراضي، يربط بينهم رباط الدين، فالحاصل أنه ينمو عدد المؤمنين ويكثرون، وينتشر دين الإسلام في كل مكان إلى نهاية العالم، وهو المعبر عنه باضمحلال القمر.
وقوله: (ويملك من البحر إلى البحر، ومن النهر إلى أقاصي الأرض)، تعني أن النبي محمدا (صلى الله عليه وسلم) سيملك من أقصى البحر إلى أقصى الأرض، وستجثو له كل الأمم، وهذا هو الذي وقع تاريخيا كما تقدم ذكره في البشارات السابقة، وهذا يعني أن رسالته عالمية وشاملة، وكذلك تقبلها النفوس سريعا.
وقوله: (أمامه تجثو أهل البرية، وأعداؤه يلحسون التراب. ملوك ترشيش والجزائر يُرسلون تقدِمة. ملوك شَبا وسَبأ يُقَدمون هدية. ويسجد له كل الملوك. كل الأمم تتعبد له)، تعني أنه سيسيطر على عدة ممالك، وقد تحقق هذا فعلا، وسقطت فارس والروم في عهد الخليفة عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، في إيران والشام ومصر، ثم بعد عمر انتشر الإسلام في أفريقيا ودخل أوربا غربا، وكذلك انتشر شرقا حتى وصل الصين وأندنوسيا.
وقوله: (ملوك ترشيش والجزائر)، ترشيش هي بلد في الشام، قيل في لبنان، والتقدمة هي التمهيد للكتب والرسائل. والجزائر هي عموم ما يصح أن يطلق عليه مسمى (جزيرة).
وقوله: (ملوك شَبا وسَبأ يُقَدمون هدية)، شبا مدينة، الله أعلم أين هي، وسبأ مملكة في جنوب الجزيرة العربية تقع في اليمن.
وقوله: (يَفدي أنفسهم. ويُكرم دمُهم في عينيه. ويعيش ويعطيه من ذهب شَبا) أي أنه يُعطي المساكين ويُغدق عليهم، وقد كان النبي محمدا (صلى الله عليه وسلم) ينفق إنفاق من لا يخشى الفقر، وكان جوادا، وكان أكثر ما يجود في رمضان.
وقوله: (ويصلي لأجله دائما. اليوم كله يباركه ... يكون اسمه إلى الدهر. قُدَّام الشمس يمتد اسمه، ويتباركون به)، تعني أن الناس تمجد النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) وتثني عليه، وتشكره على ما قام به من دعوة للناس إلى الخير وتقر بفضله، ومن توقيره أن كل المسلمين يوقرونه بهذه العبارة وهي (صلى الله عليه وسلم)، والتي تعني الدعاء له برفعة القدر والسلامة لدينه.
وقوله: (كل أمم الأرض يُطَوِّبونه)؛ تعني أن كل الناس يقولون عنه (طوبى له)، وهي عبارة ثناء عليه، وهذا هو الحاصل فعلا.
وقوله: (تكون حفنة بُرٍّ في الأرض في رؤوس الجبال. تتمايل مثل لبنان ثمرتها، ويُزهرون من المدينة مثل عشب الأرض)؛ هذه الآية تعبر عن ازدهار الأرض وبركتها في عهد هذا النبي وما جاء به من رسالة عظيمة ستملأ الأرض عدلا ورحمة، فتزدهر المدن وتنمو كما ينمو العشب، لأنه بحصول الأمن يحصل الازدهار، وبالخوف يحصل الاضطراب وقلة العيش.
وقوله: (تكون حفنة بر في الأرض في رؤوس الجبال)؛ هذا تعبير عن وفرة الحبوب والخيرات التي ستملأ الأراضي إلى أعلى الجبال، وجاء التشبيه هنا بلبنان، وهي المعروفة بخضرة جبالها.
وتختِم البشارة بالدعاء بأن تمتلئ الأرض كلها بتمجيد الله تعالى، وهو المستحق لهذا وحده.
بشارات متصلة
فصول تشترك مع هذه البشارة في المواضع أو الأشخاص أو المعاني.